الانجذاب إلى النسخة المؤجّلة منّا
ما الذي يميّز الأشخاص الذين ننجذب إليهم عن سواهم؟
“ما ترفض أن تراه في نفسك… يحكم حياتك من الظلّ ”
— كارل يونغ
في بعض الأحيان، نشعر بانجذابٍ مفاجئ نحو شخصٍ ما، دون سببٍ واضح نستطيع شرحه لمن حولنا.
لا هو الأجمل وفق معايير المجتمع، ولا الأكثر تميّزًا في نظر الآخرين، ومع ذلك ثمّة ما يشدّ انتباهنا إليه بقوة.
شيءٌ يصعب تسميته، لكنّه حاضرٌ وحقيقي.
المثير للاهتمام أن هذا الشعور لا يتعلّق دائمًا بما نراه أمامنا، بل الأمر أعمق من ذلك؛ إذ يرتبط بما نراه في داخلنا نحن، دون أن ندري.
في علم النفس، لا يُنظر إلى هذا الانجذاب باعتباره مجرّد ميلٍ عابر، بل يُعدّ أحيانًا انعكاسًا داخليًا. فنحن لا ننجذب إلى الآخرين بصورةٍ عشوائية لا تفسير لها كما يظنّ الكثير، بل ننجذب — في كثيرٍ من الأحيان — إلى أجزاءٍ من أنفسنا تتجلّى من خلالهم.
الظلّ
ترتبط هذه الفكرة بما طرحه عالم النفس كارل يونغ حول مفهوم “الظلّ”.
والظلّ هو كلّ تلك الجوانب والأفكار والمشاعر والرغبات التي يختار الإنسان كبتها أو إنكارها في شخصيّته الواعية. وغالبًا ما تُطمس هذه الجوانب لأنها تُعدّ غير مقبولة اجتماعيًا أو أخلاقيًا.
لكن مفهوم الظلّ لا يقتصر على الصفات السلبية كما يُفهم في الغالب، بل قد يشمل أيضًا صفاتٍ إيجابية لم يتمكّن الفرد من تبنّيها أو التعبير عنها بحرية بسبب التربية أو العادات أو البيئة المحيطة. وهذا ما يُشار إليه أحيانًا بـ “الظلّ الإيجابي”.
قد تكون في داخل شخصٍ ما جرأةٌ كامنة، لكنّه تعلّم مبكرًا أن الصمت أكثر أمانًا.
أو ربّما تسكنه رغبةٌ في الاستقلالية، لكنّه نشأ في بيئةٍ لا تكتفي بمكافأة التبعية، بل تُقبّح التفرّد وتُعرِّف الاستقلال على أنّه تمرّد.
هذه الأجزاء التي طمسناها إرضاءً للمحيط، أو أخفتها البيئة، أو تعمّدنا إنكارها ودفنها في داخلنا، لا تختفي أبدًا.
بل تبقى حيّةً في داخلنا، تؤثر فينا بصمت، وتنتظر اللحظة التي تجد فيها منفذًا لتظهر من جديد.
الإسقاط
وحين يرفض الإنسان الاعتراف بهذه الجوانب في نفسه، فإنّه كثيرًا ما يراها في الآخرين بدلًا من أن يراها في ذاته. وهذا ما يُعرف في علم النفس بآلية “الإسقاط”.
لذلك قد ترى شخصًا ينفر من آخر أو يُستفَزّ منه دون سببٍ واضح، بينما يكون السبب الحقيقي أنّ ذلك الشخص يعكس له صفةً يرفض رؤيتها في نفسه — وليس بالضرورة أن تكون صفةً سيئة.
وفي المقابل، قد نجد أنفسنا معجبين بشخصٍ يبدو عاديًا جدًا في نظر الجميع، فنستغرب سبب هذا الانجذاب، وربّما نعجز حتى عن تفسيره.
والمفارقة أن الشخص نفسه قد لا يرى في ذاته شيئًا استثنائيًا أصلًا! .
فما يستوقفنا فيه هو بالنسبة إليه، جزءٌ عادي من كيانه، بينما هو بالنسبة إلينا شيءٌ مؤجّل أو جانبٌ لم نمنح أنفسنا فرصة عيشه.
وكأنّنا نرى في بعض الأشخاص نسخةً مؤجّلة من ذواتنا؛ نسخةً لم تختفِ تمامًا، لكنها بقيت مؤجّلة تحت طبقات الخوف، والتكيّف، ومحاولات الانسجام مع ما يفرضه العالم علينا.
الانجذاب بوصفه مرآة
لهذا، لا يكون الانجذاب دائمًا متعلّقًا بالآخر وحده، بل بما يوقظه داخلنا.
ننجذب إلى أشخاصٍ يجسّدون ما افتقدناه في أنفسنا، أو ما أخفيناه طويلًا، أو ما تمنّينا — في مكانٍ ما داخلنا — لو امتلكنا الشجاعة للتعبير عنه.
كأنّنا، دون أن ندري، نتعرّف إلى أجزاءٍ من ذواتنا عبرهم.
لكن هذا لا يعني أن كلّ انجذابٍ هو انعكاسٌ داخلي، ولا أن كلّ ما يعجبنا في الآخرين موجودٌ فينا بالضرورة. إلا أنّ الانجذاب، في كثيرٍ من الحالات، يكون أشبه بإشارةٍ خفيّة تكشف لنا شيئًا عن أنفسنا أكثر ممّا تكشفه عنهم.
ومن هنا يمكن النظر إلى الانجذاب بطريقةٍ مختلفة؛ فقد لا يكون مجرّد شعورٍ تجاه الآخر، بل انجذابًا نحو النسخة المؤجّلة من أنفسنا؛ تلك النسخة التي ظلّت كامنةً في الداخل، تنتظر من يوقظها.


تسلم أناملك.🤍